الجامع الأموي الكبيرحلب English
الأشرطة المحفورة — كتابة وزخرفة ومقرنصات، ٢٠٠٩
الأشرطة المحفورة — كتابة وزخرفة ومقرنصات، ٢٠٠٩Dosseman · CC BY-SA 4.0

المئذنة

خمسة وأربعون متراً وقفت تسعة قرون، ثم سقطت في نيسان ٢٠١٣. وهي اليوم تُرفع من جديد بحجارتها نفسها.

١حجرٌ كُتب عليه أنه مُجدَّد

على بدن المئذنة شريطٌ من الكتابة الكوفية يقول إن البناء جُدِّد سنة ٤٨٣ للهجرة، الموافقة ١٠٩٠ للميلاد. والكلمة مقصودة: لم يقل الحجر إن المئذنة بُنيت، بل إنها جُدِّدت. فقد كان قبلها مئذنةٌ أخرى، ولا نعرف عنها ما يكفي.

وهذه أول ما ينبغي أن يُقال في صفحة عن مئذنة سقطت: أن الجامع رفع مئذنته مرّةً من قبل، وهو يرفعها الآن مرّة أخرى. ما يجري اليوم ليس أمراً لم يحدث لهذا البناء.

٢من أمر بها، ومن بناها

التاريخ
بدأ العمل ٤٨٣ هـ / ١٠٩٠ م، واكتمل ٤٨٧ هـ / ١٠٩٤ م
الآمر بالبناء
قاضي حلب، محمد بن يحيى ابن الخشّاب
المعمار
حسن بن مفرّج السرماني — اسمه منقوشٌ عليها
اكتملت في عهد
تُتُش، أبو سعيد تاج الدولة
الارتفاع
خمسة وأربعون متراً
الطوابق
ستّة
الدرج
نحو ١٧٤ درجة

ومن النادر أن يُعرف اسم معمارٍ من القرن الحادي عشر. اسم حسن بن مفرّج السرماني معروف لأنه كُتب على البناء نفسه، فبقي ما بقيت المئذنة — وحين سقطت المئذنة، بقي الاسم في الحجر الذي جُمع من الركام.

٣لماذا كانت تُعدّ من أجمل ما بُني

لأن بدنها ليس برجاً أملس عليه زخرفة، بل بناءٌ نُظّم كلّه بالأشرطة: شريط كتابة، ثم شريط زخرفة، ثم مقرنصات، ثم كتابة من جديد — يصعد الحجر وتصعد معه القراءة. والخطّ فيها كوفيٌّ في أسفلها، ثم يدخل النسخ في أعلاها، فتقرأ في ارتفاع واحد تحوّل الخطّ العربي عبر قرن.

وهي تقوم في الزاوية الشمالية الغربية من الصحن، منفصلةً عن كتلة الجامع، فترى من الأسواق ومن أزقّة المدينة القديمة قبل أن ترى الجامع نفسه. كانت — بالمعنى الحرفي — أول ما يُرى من حلب.

المئذنة من الصحن، ٢٠٠٩
المئذنة من الصحن، ٢٠٠٩Dosseman · CC BY-SA 4.0

٤نيسان ٢٠١٣

في نيسان ٢٠١٣ سقطت المئذنة. وتهشّم بدنها إلى نحو ألفي قطعة حجرية في صحن الجامع وما حوله.

هذه الصفحة تُسجّل ما فُقد وتاريخه وحاله، ولا تنسب السبب. الروايات متعارضة، والموقع يُنشر بإشراف جهاتٍ رسمية، وليس من شأنه أن يفصل في نزاع. الحجر وحده هنا هو الشاهد.

٥الصدفة التي جعلت إعادة البناء ممكنة

سنة ٢٠١٠ — أي قبل السقوط بثلاث سنوات — أجرى غابرييلي فانجي، أستاذ المساحة التصويرية في جامعة ماركي التقنية في أنكونا، مسحاً فوتوغرامترياً كاملاً للمئذنة. لم يكن يعلم لماذا يفعل ذلك سوى أنه عمله.

وفي ٢٠١٨ سلّم صوره عالية الدقّة إلى الفريق السوري. ومعنى ذلك أن المئذنة مقيسةٌ بالكامل: ارتفاعاتها وأبعاد مداميكها ومواضع أشرطتها، مثبّتةً في صور التُقطت في آخر سنوات وقوفها.

ولهذا فإن ما يجري ليس تخميناً لشكلٍ ضاع، بل إعادةُ تركيبٍ لشيء مُسجَّل.

الطابق الأعلى وشُرفته الخشبية، ٢٠٠٩
الطابق الأعلى وشُرفته الخشبية، ٢٠٠٩Dosseman · CC BY-SA 4.0

٦كيف تُرفع اليوم

جُمعت الحجارة من الركام وفُرزت. ويُوزن كل حجرٍ ويُقاس ويُفحص بالموجات فوق الصوتية لمعرفة إن كان ما يزال سليماً في داخله، ثم يُصوَّر من زوايا عدّة حتى تستطيع المساحة التصويرية أن تعيده إلى موضعه الأصلي في البدن.

وما صلح من الحجارة أُعيد تشذيبه وأُعيد استعماله. وكُشفت الأساسات وأُعيد بناؤها، ثم ارتفع البناء حتى مستوى الدرج الملتفّ — بحجارة المئذنة نفسها.

ولم يُعلَن تاريخٌ لانتهاء العمل. وكل ما في هذه الصفحة مكتوبٌ بصيغة الحاضر لأن العمل حاضر.

٧وثمّة خلاف يستحقّ أن يُذكر

إعادة بناء معلمٍ فُقد «كما كان» مسألةٌ مختلَفٌ فيها بين أهل الصون، لا في حلب وحدها بل في كل موقع تراثي أصابته حرب.

يقول فريقٌ إن إعادة البناء واجب: المئذنة جزء من هويّة مدينة وذاكرتها، وحجارتها موجودة، وقياساتها موجودة، وتركُها ركاماً عقوبةٌ مستمرّة على أهل المكان لا على من هدمها.

ويقول فريقٌ آخر إن الخَرِبة شهادة: أن تعيد المعلم إلى كماله الظاهري هو أن تمحو من سطحه أثر ما جرى له، وأن ما يقوم في النهاية بناءٌ جديد بحجارة قديمة، لا البناء الذي سقط.

لا يفصل هذا الموقع في المسألة. لكنه يرى أن من حقّ من يقف تحت المئذنة أن يعرف أن السؤال قائم، وأنه لم يُحسم.

من الشارع الملاصق للجامع، ٢٠٠٩
من الشارع الملاصق للجامع، ٢٠٠٩Dosseman · CC BY-SA 4.0